ليس من السهل، في خضم المنافسة الانتخابية، أن يكتب صحفي كلمة إنصاف في حق حزب قد يختلف معه سياسياً أو إيديولوجياً، لكن المهنية تفرض أحياناً أن نقول ما نراه، حتى وإن لم يكن في مصلحة من نختلف معهم.
وبكل صراحة، فإن حزب العدالة والتنمية خلال هذه الحملة الانتخابية قدم درساً يستحق التوقف عنده في التنظيم والتعبئة والحضور الجماهيري، تحت إشراف أمينه العام عبد الإله بنكيران.
قد نختلف مع الحزب في مرجعيته أو في عدد من مواقفه واختياراته السياسية، وهذا أمر طبيعي في الديمقراطية، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف عندما نرى تنظيماً حزبياً يعرف كيف يحرك قواعده، وكيف يتواصل مع المواطنين، وكيف يحافظ على حضور ميداني لافت.
ما شد انتباهي، قبل كل شيء، هو ذلك الالتفاف الجماهيري الذي ظهر في عدد من مهرجانات الحزب، ومن بينها المهرجان الذي احتضنته مدينة وجدة، والذي شهد حضوراً كبيراً. وقد نقلت وسائل إعلام محلية أن الحضور تجاوز عشرة آلاف شخص.
والأهم من الأرقام نفسها هو السؤال: كيف استطاع حزب خرج من انتخابات 2021 بنتيجة صعبة أن يستعيد هذه الحيوية التنظيمية في ظرف وجيز؟
الجواب، في تقديري الصحفي، يكمن في قوة التنظيم الداخلي، وفي قدرة القيادة على إعادة شحن القواعد واستعادة الثقة لدى جزء من المناضلين والمتعاطفين. كما أن عبد الإله بنكيران استطاع، من خلال حضوره وخطابه، إعادة الحيوية إلى عدد من المحطات الانتخابية للحزب.
وهنا لا بد من تسجيل ملاحظة أخرى.
خلال المهرجانات التي تابعناها، ظهر الحضور الجماهيري باعتباره عنصراً أساسياً في الحملة، وليس مجرد ديكور انتخابي. كما جعل بنكيران من التعبئة والمشاركة ومحاربة العزوف جزءاً واضحاً من خطابه الانتخابي.
أما الحديث عن عدم استعمال المال أو الإغراءات، فمن الإنصاف ألا نحوله إلى حقيقة مطلقة من دون أدلة تثبت ذلك على مستوى كل الحملة. لكن اللافت هو أن التعبئة التي ظهرت في عدد من محطات الحزب بدت، في جانب كبير منها، قائمة على حضور المناضلين والمتعاطفين وقدرة التنظيم على mobilizing القواعد، أكثر من اعتمادها على المظاهر الانتخابية الفارغة.
وهذا، في حد ذاته، يستحق أن يكون موضوع نقاش سياسي هادئ.
ففي زمن أصبح فيه المواطن أكثر تشككاً في الخطاب الانتخابي، وأصبح العزوف هاجساً حقيقياً، فإن قدرة حزب سياسي على تحريك مناضليه والمتعاطفين معه وإخراجهم إلى الميدان تظل ظاهرة سياسية وتنظيمية جديرة بالدراسة.
قد نختلف مع العدالة والتنمية، وقد نختلف مع بنكيران، وقد نختلف مع طريقة اشتغالهما وخطابهما السياسي، لكن الاختلاف لا يعني إنكار الوقائع.
ومن موقعي كصحفي وحقوقي، أقولها بوضوح:
العدالة والتنمية في هذه الحملة أعاد تذكير كثير من الأحزاب بأن الانتخابات ليست صوراً وشعارات ولا مهرجانات عابرة، وإنما هي أولاً تنظيم، وتواصل، وتعبئة، وقدرة على الوصول إلى المواطن.
لكن، وبقدر ما نثمن حق كل حزب في خوض المنافسة بكل حرية، فإننا نتمسك في المقابل بأن تكون هذه المنافسة نزيهة، شفافة ومتساوية بين جميع المتنافسين، وأن تظل إرادة المواطن هي صاحبة الكلمة، دون ضغط أو ترهيب أو إغراء أو أي تدخل من شأنه التأثير في اختياره.
فالخوف الذي يعبر عنه بعض الفاعلين والحقوقيين ليس من صندوق الاقتراع في حد ذاته، وإنما من احتمال أن تتدخل حسابات أو ممارسات خارج إرادة الناخبين لتغيير اتجاه المنافسة أو قطع الطريق على هذا الحزب أو ذاك لفائدة طرف آخر.
ولا نتمنى أن يحدث ذلك، لا للعدالة والتنمية ولا لغيره، لأن الديمقراطية لا تستقيم إلا عندما نترك المواطن يختار بحرية، ونحترم اختياره مهما كان.
قد نختلف مع “البيجيدي” إيديولوجياً وسياسياً، لكننا نرفض أن يكون الاختلاف مبرراً لإقصائه بوسائل غير ديمقراطية. وكما نطالب باحترام إرادة الناخب عندما لا توافق اختياراتنا، علينا أن نحترمها أيضاً عندما تأتي بما لا نتوقعه.
تلك هي الرسالة التي ينبغي أن تحملها هذه الانتخابات:
لا نريد نتيجة تُصنع خارج صناديق الاقتراع، بل إرادة تُعبّر عنها الصناديق بكل حرية ونزاهة ليشهد العالم ان بلدنا لم تفوت هده المحطة من تاريخ الديمقراطية..