بقلم الزميل رشيد يحياوي
كانت وجوههم تحمل كل شيء.. ما عدا الابتسامة.
باعين دامعة و عبرة خانقة تابعنا مشاهد
آلاف من أبناء بلدنا، رجالًا ونساءً وشبابًا و أطفالا، يهرولون على أقدامهم، برًا و بحرا تحت سماءٍ صافية لا ترحم، وقد تخلوا عن مساكنهم للجوء الى مدينة سبتة المغربية.
مشهدٌ لا يُحتمل: فلاحٌ ترك حقله، موظفٌ أفنى عمره في الانتظار، خريجٌ حمل شهادته، وأمٌ حملت طفلها على كتفها، و شاب حمل أمه العجوز فوق ظهره… كلهم هناك، توجهوا نحو ذلك السور الحديدي، وكأنّ الوطن بات ضيقًا عليهم، وضاقت بهم الأرض بما رحبت.
لماذا؟
نسأل، ونكرر السؤال حتى يخنقنا الصمت.
كل من استجوب من هناك قال كلمةً واحدة، لكنها كانت أقسى من الصخر: “لم نعد نتحمل.”
لم يذكروا السياسة، لم يتحدثوا عن المؤامرات، ولا عن الأعداء. تحدثوا عن اليأس الذي اصبح خانقا، وعن الأجرة التي لم تعد تكفي، وعن الكرامة التي تتهاوى أمام أعينهم كل صباح. تحدثوا عن وظيفة حلموا بها أزيد من عشرين سنة فلم تأت، وعن مستقبل أبنائهم الذين بات أشبه بطريق مسدود.
إنهم يحبون المغرب. يحبونه بجروحه وبحزنه وبما فيه. يحبونه كما يحب المرء أمّه رغم فقرها و بكل عيوبها. لكن الحب وحده لا يملأ الجوع، ولا يسدّ الفقر، ولا يوقف دموع الأطفال حين يسألون عن غدٍ مجهول.
وهنا يسقط السؤال كالصاعقة:
أين كنتم أيها المسؤولون، في الحكومة الحالية و أخواتها السابقات، حين كان هؤلاء المواطنون ينامون على أرصفة الانتظار؟ و يتوسدون الأمل الذي وعدتموهم به ؟ كيف تفسرون لنا أن يصل مستوى العيش في هذا البلد إلى حدٍّ يدفع أبناءه للتعلق بالسياج الحدودي كمن يتعلق بحبل نجاة؟ و يلقون بأجسادهم في البحر لعلهم يجدون فيه دفئا يعوضهم عن حنان مفقود.
أليس من العار أن يغادر المواطن وطنه ليس هاربًا من حرب، ولا فارًّا من إعصار، بل هاربًا من الحياة ذاتها؟
أليس من المأساة أن يكون الحلم الأكبر لشاب مغربي هو أن يصبح “مقيمًا غير شرعي” في بلدٍ آخر؟
نحن لا نطلب منكم معجزات. نطلب أجوبة. نطلب نظرةً في أعين هؤلاء الذين وقفوا هناك، بأجسادٍ مرتجفة وقلوبٍ منكسرة، ونسألكم:
أين الخطة؟ أين الرؤية؟ أين الغد الذي وعدتم به؟
هذا المشهد المؤلم، وهذا الزحف نحو سبتة، ليس مجرد أرقام تُحصى، وليس مجرد حدثٍ عابرٍ يمكن طيّه في ملفات الأمن. إنه جرحٌ نازفٌ في جسد الوطن، إنه مرآة تعكس أزمةً عميقة لا تخفى على ذي عينين.
سبتة ليست بوابة، سبتة ليست مدينة متنازعًا عليها في تلك اللحظة. سبتة هي صرخة.
صرخة من آلاف المواطنين الذين يقولون بصمتٍ مدوٍ: “نحبك يا وطن، لكن حبك لم يعد يكفينا.”
فمتى تسمعونها؟ ومتى تتحركون ليس لردّهم عن الحدود، بل لفتح الأبواب أمامهم في الداخل؟ أبواب العمل، والكرامة، والأمل، والحياة التي يستحقونها؟
نحن ننتظر. والوقت يمرّ.. وأقدام أخرى تتجه نحو السياج