هل يجوز في الجنايات ان تبت المحاكم في القضايا دون حضور محام؟

بقلم الاستاذة والمحامية سليمة فراجي

هل يجوز في الجنايات أن تبت المحاكم في القضايا دون حضور محام؟
وهل يصبح حق الدفاع محل اجتهاد ؟
قرار صادر بتاريخ 9 يوليوز2026 عن غرفة الجنايات الابتدائية بالعيون

أثار قرار صادر عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالعيون نقاشًا قانونيًا مهمًا بعد أن قضت المحكمة في قضية جنائية دون حضور محام، مستندة إلى مبدأ استمرارية المرفق القضائي، وإلى كون المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، رغم تقريرها إلزامية مؤازرة المحامي في الجنايات، لم ترتب جزاءً صريحًا على مخالفة هذا المقتضى.
غير أن هذا التعليل يطرح إشكالًا قانونيًا ودستوريًا عميقًا.

فإلزامية حضور المحامي في قضايا الجنايات ليست امتيازًا ممنوحًا للمحامي، وإنما هي ضمانة مقررة لفائدة المتهم، تكفل له ممارسة حقه في الدفاع وتحقق شروط المحاكمة العادلة. ولذلك فإن النص الذي يقرر هذه الإلزامية لا يجوز تفسيره بما يؤدي إلى إفراغه من مضمونه.

كما أن النصوص التي استند إليها القرار لا تقرر إمكانية الاستغناء عن المحامي، بل تؤكد العكس، إذ تلزم رئيس الجلسة، عند تعذر حضور الدفاع، باتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير المؤازرة القانونية، لا مواصلة المحاكمة في غيابها. أما مقتضيات قانون مهنة المحاماة التي تنظم واجبات المحامين تجاه القضاء، فإنها لا يمكن أن تتحول إلى أساس قانوني لحرمان المتهم من حقه في الدفاع، لأن أي إخلال مهني يواجه بالجزاءات المقررة قانونًا في مواجهة من ارتكبه، وليس على حساب حقوق المتقاضين.

لا احد يجادل في أن استمرارية المرفق القضائي مبدأ دستوري ينبغي احترامه، غير أن هذا المبدأ لا يمكن أن يعلو على ضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها حق الدفاع، المكفول دستوريًا والمكرس أيضًا بموجب الالتزامات الدولية للمملكة المغربية. فالقاضي يملك سلطة تفسير القانون وتطبيقه، لكنه لا يملك إنشاء استثناءات لم يقررها المشرع، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق أساسية.

إن خطورة هذا القرار لا تكمن في وقائعه الخاصة، وإنما في المبدأ الذي قد يؤسس له؛ فإذا أصبح من المقبول تجاوز إلزامية حضور المحامي كلما تعذر توفير المؤازرة، فإن الضمانة التي قررها القانون ستتحول إلى مجرد إجراء يمكن الاستغناء عنه بحسب ظروف كل قضية، وهو ما يمس بجوهر المحاكمة العادلة ويطرح تساؤلات جدية حول حدود السلطة التقديرية للقاضي.

فالعدالة لا تقاس بسرعة إصدار الأحكام، وإنما بمدى احترام القانون والحقوق الأساسية للمتقاضين. واستمرارية المرفق القضائي تظل قيمة دستورية، لكنها لا تتحقق بتجاوز النصوص الآمرة، بل بتطبيقها واحترامها، لأن دولة الحق والقانون تقوم على سيادة القانون، لا على الاجتهاد في مواجهة نصوصه.

إن الضمانات الإجرائية ليست امتيازًا للمحامي، وإنما هي حقوق أصيلة للمتهم. وكل تفسير يؤدي إلى الانتقاص منها، ولو بدافع الحرص على استمرارية المرفق القضائي، يظل تفسيرًا استثنائيًا يتعين أن يجد سنده في نص تشريعي صريح، لا في اجتهاد قضائي، لأن الأصل في دولة القانون هو سمو النص على التأويل، وعلو الحقوق الأساسية على مقتضيات الملاءمة الإجرائية.

أخر الأخبار