وجعي يمتد من وجدة إلى البرلمان
وجعي وجع من يؤمن بدولة القانون
وبهذه اللوعة والثورة الداخلية تساءلت في صمت : أي رسالة يبعثها هذا المشهد إلى الأجيال الصاعدة؟ وهل كان من الضروري أن يصل الحوار إلى هذه اللحظة، حيث يقف الحكماء في الشارع بعدما كان مكانهم الطبيعي حول موائد التشاور وصناعة التوافق
لم أكن أتصور أن يأتي يوم أشعر فيه بهذا القدر من الحزن، حزن عميق
آلمني، وأنا أتابع مشهد الاعتصام، أن أرى كبار المحامين، وشيوخ المهنة وحكماءها، الذين قضوا عقودًا بين أروقة المحاكم، يدافعون عن الدستور والقانون وحقوق الناس، يقفون اليوم تحت أشعة الشمس الحارقة، لا طلبًا لمنصب، ولا دفاعًا عن مصلحة شخصية، وإنما احتجاجًا على ما يرونه عوارًا تشريعيًا يمس مؤسسة ظلوا يؤمنون برسالتها أكثر مما آمنوا بمكاسبها
ولم يكن يؤلمني فقط حرُّ الشمس، بل حرارة الخيبة التي ارتسمت على وجوه رجال ونساء لم يعتادوا الشكوى، وإنما اعتادوا الترافع. رجال حملوا هموم العدالة لعقود، فإذا بهم يحملون اليوم همَّ الدفاع عن استقلال مهنتهم، ليس لأن مشروع قانون يتم تمريره فالقوانين وُجدت لتُناقش وتُعدَّل وتُراجع، ولكن لأن الصورة التي كنت أحملها عن صناعة التشريع في بلدي أصابها شرخ عميق.
كنت أؤمن، وما زلت أريد أن أؤمن، بأن المؤسسات لا تُقاس فقط بما تملكه من أغلبية عددية، وإنما بما تملكه من قدرة على الإنصات، وعلى تحويل الحوار إلى تشريع، والخلاف إلى توافق، والاختلاف إلى حلول متوازنة.
لقد تربينا، جيلاً بعد جيل، على أن المغرب راكم تجربة متميزة في تدبير الملفات الكبرى بالحوار. وكانت المحاماة دائماً جزءاً من هذه التجربة؛ لا باعتبارها جماعة ضغط، بل باعتبارها شريكاً في بناء دولة الحق والقانون، ومؤسسة أسهمت في الدفاع عن الحقوق والحريات، وفي مواكبة كل الأوراش الدستورية الكبرى.
لهذا فإن الألم اليوم لا يتعلق بمقتضى قانوني هنا أو هناك، ولا بثلاث مواد زادت أو نقصت، وإنما يتعلق بإحساس عميق بأن الحوار فقد جزءاً من معناه، وأن السرعة أصبحت فضيلة تشريعية، حتى عندما يكون ثمنها تراجع الثقة.
ما يحزنني ليس أن الأغلبية انتصرت؛ فمن طبيعة الديمقراطية أن توجد أغلبية ومعارضة. ولكن ما يحزنني هو أن ينتصر العدد على الحجة، وأن يتحول الحوار إلى محطة شكلية، بينما تكون القرارات قد حُسمت سلفاً.
الأخطر من ذلك كله أننا بدأنا نعيش ما يمكن وصفه بفوران تشريعي غير مسبوق؛ قوانين تتوالى بسرعة لافتة، تمس مجالات دقيقة وحساسة، بينما لا يُمنح أصحاب الاختصاص الوقت الكافي للمناقشة الهادئة، ولا تُمنح المؤسسات الوسيطة المكانة التي تستحقها، ولا يُفسح المجال للتوافق الذي يمنح النصوص قوتها الحقيقية.
إن القانون لا يستمد هيبته من نشره في الجريدة الرسمية، وإنما من الثقة التي تسبقه. فالنصوص قد تُفرض بالأغلبية، لكن الشرعية المجتمعية لا تُفرض، بل تُبنى.
ولذلك فإن حزني اليوم ليس حزناً على المحاماة وحدها، وإنما على فكرة أوسع: فكرة أن الإصلاح الحقيقي لا يولد إلا من الإصغاء، وأن الدولة القوية ليست تلك التي تستطيع تمرير القوانين بسرعة، بل تلك التي تستطيع أن تجعل المختلفين يشعرون بأنهم كانوا شركاء حقيقيين في صناعتها.
ورغم كل هذا الأسى، فإنني أرفض الاستسلام.
لأن المحاماة التي صمدت لعقود أمام تحولات السياسة والقوانين والأزمات، لن تختزل في محطة تشريعية واحدة. ولأن التاريخ يعلمنا أن النصوص ليست نهاية المطاف، وأن الأفكار التي تنطلق من الإيمان بالدستور واستقلال العدالة تظل قادرة على الصمود والمواجهة و مراجعة النصوص وتصحيح المسارات.
لا ينبغي اطلاقاً أن نخسر إيماننا بأن المغرب يستحق تشريعاً أكثر إنصاتاً، وأكثر تروياً، وأكثر وفاءً لتاريخه الحقوقي.
فالأمم لا تُقاس بسرعة إصدار القوانين، وإنما بقدرتها على أن تجعل كل قانون ثمرة حوار، لا مجرد نتيجة تصويت.
وإذا كان الحزن اليوم مشروعاً، فإن اليأس ليس مشروعاً.
وتمضي الايام وتزول المناصب والمكاسب وتبقى في الذاكرة، صورة لا تنمحي لا لأنها وثقت اعتصامًا، بل لأنها وثقت للأجيال لحظة شعرت فيها نخبة من رجال ونساء القانون بأن صوتهم لم يعد يجد الصدى الذي يستحقه في مسار تشريعي كان يفترض أن يُبنى، قبل كل شيء، على الإصغاء والثقة والاحترام المتبادل
ولكن ما دامت هناك أقلام تكتب، ومحامون يترافعون، وعقول تؤمن بأن القانون رسالة قبل أن يكون نصاً، فإن الأمل سيظل أقوى من كل خيبة، وستبقى المحاماة، كما كانت دائماً، ضميراً حياً لا يقاس بعدد الأصوات، بل بقيمة المبادئ التي تدافع عنها
سليمة فرجي