بقلم المحامية الاستادة سميرة فرجي
يا وزير العدل حاسب نحن لا نخشى الحسابا
نحن لا نخشى الرقابة ولا نخشى المجلس الأعلى للحسابات ولكننا نتمسك بالدستور
وانه في خضم النقاش الدائر حول إخضاع ودائع هيئات المحامين للرقابة، ينبغي أن نميز بين أمرين مختلفين تمامًا: رفض الرقابة من حيث المبدأ، ورفض مخالفة الدستور من حيث الوسيلة.
فالمحامون ليسوا فوق القانون، ولم يدّعوا يومًا أنهم بمنأى عن المساءلة. بل إن رسالة الدفاع نفسها تقوم على احترام القانون، وصيانة الحقوق، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن دولة القانون لا تقوم على حسن النوايا وحدها، وإنما على احترام الاختصاصات التي رسمها الدستور، وعدم تجاوزها مهما كانت الدوافع أو النوايا.
وقد انصب النقاش حول اختصاص المجلس الأعلى للحسابات على أساس دستوري صرف. فمن تمسك بعدم اختصاصه لم يكن ينطلق من رفض الشفافية، وإنما من قراءة للفصل 147 من الدستور، ومن ملاحظة أن التشريع المالي الجاري لا يدرج هيئات المحامين ضمن الجهات الخاضعة لرقابته.
وهذا موقف قانوني قابل للنقاش والاختلاف، شأنه شأن كل اجتهاد دستوري.
ولو ارتأى المشرع، في إطار احترام الدستور، سن نص قانوني واضح يحدد هذا الاختصاص ويؤطره بضمانات تحافظ على استقلال المهنة وتحمي حقوق المتقاضين، فإن النقاش حينها سيكون نقاشًا تشريعيًا مشروعًا، لا صراعًا بين الشفافية والاستقلال.
لكن ما يثير القلق حقًا هو أن يتحول هذا الجدل إلى مناسبة لتدخل جهات غريبة أخرى، أو إلى منصة يركب عليها من يسعى إلى تحقيق أهداف مريبة نجهل خباياها وقد تفضي إلى نتائج أشد ضررًا من الإشكال الأصلي.
فاستقلال المحاماة ليس امتيازًا لفئة مهنية، بل هو ضمانة دستورية للمواطن قبل المحامي. وكل مساس به، تحت أي عنوان، ينعكس في النهاية على حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
ولهذا فإننا لا نريد أن تتحول الأزمة إلى مدخل لاختراق المهنة من جهات لا يخولها القانون ذلك، ولا إلى فرصة لتصفية حسابات أو فرض وصايات جديدة تحت شعارات براقة.
كما أننا نرفض، بالمقابل، الاستقواء بأي جهة أجنبية خارجية أو تدويل نقاش يمكن للمؤسسات الوطنية أن تحسمه في إطار الدستور والقانون. فالمحاماة المغربية كانت وستظل مهنة وطنية، حرة ومستقلة، تدافع عن سيادة الوطن كما تدافع عن سيادة القانون.
إن قوة المؤسسات لا تقاس بقدرتها على إخضاع غيرها، وإنما بقدرتها على احترام الحدود التي رسمها الدستور لكل سلطة ولكل مؤسسة.
ولذلك فإن رسالتنا اليوم واضحة:
لسنا ضد الرقابة إذا كانت مؤسسة على نصوص دستورية وقانونية صريحة، ولسنا ضد الشفافية إذا مورست في إطار يحترم استقلال المهنة، ولسنا ضد الإصلاح إذا كان يهدف إلى تعزيز الثقة في المؤسسات.
لكننا، في المقابل، نرفض أن تتحول الشفافية إلى ذريعة للمساس باستقلال الدفاع، أو أن يصبح الخلاف القانوني بابًا لتدخلات غير مبررة، أو أن تستغل الأزمة لتحقيق غايات لا تخدم المهنة ولا الدولة.
فلا شيء يخيف المحامي حين يكون القانون هو الحكم، والدستور هو المرجع، والمؤسسات هي الفيصل.
أما خارج هذه المرجعية ، فإن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعًا عن امتياز، وإنما دفاع عن إحدى الركائز الأساسية لدولة الحق والقانون.