**

كلما دقّت أجراسُ الحِمام معلنةً رحيلَ الوالدين او الأشقاء او الأصدقاء او الاخوان في الله، إلا وداهمتنا لحظةُ ذهولٍ تعجز الكلمات عن وصفها. فالموت، مهما ألفناه خبرًا يتكرر كل يوم، يظل حين يطرق أبوابنا او ابواب مدينتنا حدثًا استثنائيًا يربك الوجدان ويوقظ فينا هشاشة الإنسان أمام حتمية الفقد.
وكلما غاب صديقٌ تقاسمنا معه مقاعد الدراسة، أو دروب الجامعة، أو فضاءات الندوات والفكر، أو المرحلة الحزبية او حتى تفاصيل الحياة اليومية البسيطةاشتعل في القلب لهيبُ الذكرى والحنين، وانفتحت دفاترُ الماضي على صفحاتٍ من المواقف الجميلة والوجوه التي أضاءت أيامنا ثم مضت تاركةً أثرها العميق في الأرواح.
إن الراحلين لا يغيبون تمامًا؛ فهم يمضون بأجسادهم، لكنهم يظلون مقيمين في الذاكرة، حاضرِين في الكلمات التي قالوها، وفي الأعمال التي أنجزوها، وفي المحبة التي زرعوها في قلوب من عرفوهم. ومن هنا يصبح الرثاء أكثر من مجرد وداع، إنه شهادة وفاء، واستعادة لجميل الأثر، واعتراف بفضل أولئك الذين عبروا حياتنا وفضاءات مدننا وتركوا فيها ما يستحق أن يُخلَّد.

واليوم، ونحن نودّع واحدًا من هؤلاء الاصدقاء المرحوم الدكتور جمال حدادي الذي ألفنا تواجده في الساحة الفكرية الثقافية نستحضر سيرته العطرة ومسيرته الحافلة بالعطاء، لنقول إن الرجال الأفذاذ وإن غابوا عن الأنظار، فإن ذكراهم تبقى منارة تهدي القلوب وتؤنس الأرواح
كثيرًا ما نمضي في زحام الحياة فلا نلتفت إلى ما يملأ أيامنا من نعمٍ وأشخاصٍ تركوا بصماتهم في قلوبنا. نعتاد وجودهم حتى نظن أن حضورهم دائم، فإذا غيّبهم الرحيل انكشفت لنا مناقبهم واحدةً تلو الأخرى، وأدركنا مقدار ما كانوا يحملونه من خيرٍ ومودةٍ وعطاء. وحينها تتكلم الدموع بما تعجز عنه الكلمات، وتتحول الذكريات إلى شهادة صادقة على فضلهم.
ليس أشدَّ على النفس من فَقْدِ من كان يملأ الحياة حضورًا وأثرًا. فكم من خصلةٍ كريمةٍ لم ننتبه إليها إلا بعد الغياب، وكم من يدٍ امتدت بالخير لم نعرف فضلها إلا حين افتقدناها.
كانت المرحومة شقيقتي نتيجة تأتي لزيارتي وتطلب مني ان نجوب ازقة مدينة وجدة فكنت اختلق الحجج الواهية من اجل البقاء في مكتبي واليوم اتمنى لو جاد الزمان بدقائق معدودات لألبي لها كل الطلبات
عند الرحيل تتجلى المحاسن، ويكبر الأثر في الذاكرة، فتقف الكلمات عاجزةً أمام هيبة الفقد. وفي هذا السياق استحضر هذه الابيات التي لم اعد اتذكر اسم الشاعر الذي نظمها

‎« ما كنت أدري ما فواضلُ كفِّهِ
‎على الناس حتى غيَّبته الصفائح
‎وأصبح في لحدٍ من الارض ضيق
‎وكانت به حيّا تضيق الصحاصح
‎سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تفِض
‎فحسبك مني ما تَجِنُّ الجوانح
‎فما انا من رُزءٍ و إن جلّ جازع
‎ولا بسرور بعد موتك فارحُ
‎كأن لم يَمُتْ حيٌّ سواك ولم تقم
‎على احد الا عليك النوائح
‎لئن عظُمت فيك المراثي وذكرُها
‎لقد عظمت من قبل فيك المدائِحُ »

أخر الأخبار

**

**