المحامون هم جناح العدالة التي لا تتحقق بدونه..

بقلم الاستادة والمجانية سليمة فراجي

المحامون هم جناح العدالة التي لا تحلق بدونه فما قيمة تشريع لا يتلاءم مع متطلبات المشرَّع لهم ؟
الم يقل Montesquieu لا نشرع إلا بايادي ترتجف ؟
ألا يفقد القانون قيمته عندما تعكس النصوص احيانا رغبات شخصية او حسابات سياسية او مصالح فئوية ضيقة ؟
الم يكن من اللازم في ضوء الأزمة الكبرى التي يعيشها قطاع المحاماة ان يحيل رئيس الحكومة مشروع قانون المحاماة لدراسة الاثرطبقا للمادة 19 من القانون التنظيمي لإشغال الحكومة والتي لم تُشرع إلا لتوقع الأزمات قبل وقوعها، ورصد انعكاسات النصوص على الفئات المعنية بها وعلى التوازنات المجتمعية والمؤسساتية.

ألا تطرح الأزمة الحادة التي أفرزها المشروع داخل مهنة المحاماة تساؤلاً مشروعاً حول مدى احترام فلسفة التشريع التشاركي والحكامة الجيدة، والأسباب التي حالت دون استشراف هذه التداعيات قبل عرض المشروع على مسطرة المصادقة. فالقانون الذي لا يختبر أثره قبل صدوره غالباً ما يختبره المجتمع بعد صدوره، وعندئذ تكون كلفة التصحيح أكبر من كلفة التبصر والتروي؟
الم يكن من اللازم ان ينتصر السيد رئيس الحكومة لدراسة الاثر التي تمنحها اياه المادة 19 من القانون التنظيمي 065-13 ؟
فهل أنجزت دراسة أثر حقيقية ومستوفية للشروط القانونية؟
و هل تناولت آثار المشروع على مرفق العدالة وعلى مهنة المحاماة وعلى حق التقاضي؟
وهل استحضرت تداعياته على السلم الاجتماعي والأمن القانوني؟
وهل أُخذت نتائجها بعين الاعتبار أثناء صياغة المشروع

فالتشريع الناجح هو الذي يقوم على الحوار والتجرد واحترام الدستور وإشراك الفاعلين المعنيين، لأن القانون الذي يُفرض دون توافق أو دراسة كافية قد يحقق الشرعية الشكلية، لكنه يفقد الشرعية المجتمعية ويصبح عاجزاً عن تحقيق العدالة والاستقرار

علما ان الجدل الذي رافق المبادرات التشريعية المرتبطة بقطاع العدالة اثار تساؤلات عميقة حول فلسفة التشريع وحدوده، وحول مدى مشروعية اتخاذ قرارات تمس فئة مهنية أساسية كالمحامين دون إشراكها بصورة فعالة في صناعة النصوص القانونية التي تنظم وجودها ومهامها. فالمحاماة ليست مجرد مهنة عادية، بل هي أحد أعمدة العدالة وشريك أساسي في تحقيق الأمن القانوني وصيانة الحقوق والحريات.

ولعل مقولة الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو: «لا ينبغي أن نشرع إلا بأيدٍ ترتجف» تختزل المعنى الحقيقي للعمل التشريعي؛ فالمشرع الذي يستشعر جسامة المسؤولية يدرك أن القانون ليس نصوصاً جامدة، وإنما هو أداة لتنظيم المجتمع وتحقيق التوازن بين مصالح أفراده ومؤسساته. لذلك فإن أي تشريع يفتقد إلى الحكمة والتبصر والحوار المجتمعي الواسع قد يتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى مصدر للتوتر والاحتقان، وقد يكون مصيره التحايل أو التجاهل لأنه يفقد شرعيته الاجتماعية حتى وإن امتلك الشرعية القانونية الشكلية.
إن التشريعات المرتبطة بالحقوق والحريات والسلم الاجتماعي تفرض قدراً أكبر من التريث والتشاور والإنصات إلى مختلف الفاعلين والمعنيين بها. فالحوار الوطني والنقاش العمومي ليسا ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لإنتاج قوانين متوازنة تحظى بالقبول المجتمعي وتنسجم مع مبادئ الدستور وروحه، ومع تراتبية القواعد القانونية ومتطلبات الملاءمة التشريعية مع قيم الأمة وتطلعاتها.

ومن الناحية الفلسفية، فإن وظيفة التشريع تتمثل في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، سواء بين السلطات المختلفة أو بينها وبين المواطنين، أو بين الأفراد أنفسهم. غير أن نجاح هذه الوظيفة يظل رهيناً بالتزام المشرع بمبدأ التجرد والحياد. فالقانون يفقد قيمته عندما يصبح انعكاساً لرغبات شخصية أو حسابات سياسية أو مصالح فئوية ضيقة، أو أداة لفرض إرادة الأقوى على الأضعف. فالأصل في القاعدة القانونية أن تكون عامة ومجردة، موجهة إلى الجميع دون تمييز أو استهداف.

وفي هذا الإطار تبرز أهمية المؤسسة التشريعية وممثلي الأمة الذين لا يقتصر دورهم على التصويت على النصوص القانونية، بل يمتد إلى ممارسة الرقابة الدستورية والسياسية والأخلاقية على عملية التشريع، وتدارك ما قد يعتري النصوص من اختلالات أو آثار جانبية لم تكن ظاهرة أثناء مرحلة الإعداد والصياغة. فالتشريع الرشيد ليس انتصاراً لإرادة الأغلبية فقط، بل هو أيضاً حماية للحقوق وضمان للتوازن والاستقرار.

إن قوة الدول الحديثة لا تقاس بكثرة القوانين التي تصدرها، بل بمدى عدالتها وقبول المجتمع لها. فكلما كان التشريع نتاجاً للحوار والتوافق والإنصات، كان أكثر قدرة على تحقيق الأمن القانوني والسلم الاجتماعي. أما حين يغيب التشاور ويحل منطق التحدي محل منطق الشراكة، فإن القانون يتحول من جسر للتوافق إلى سبب للخلاف، ومن وسيلة لبناء الثقة إلى مصدر لفقدانها.

ولهذا فإن الحكمة التشريعية تقتضي أن يُنظر إلى الفاعلين في منظومة العدالة، وفي مقدمتهم المحامون، باعتبارهم شركاء في الإصلاح لا خصوماً له، وأن يكون التشريع تعبيراً عن إرادة الأمة ومصلحتها العامة، لا عن إرادة عابرة أو مصلحة ظرفية. فالقوانين العادلة هي التي تُصاغ بعقل الدولة، وتُراجع بضمير الأمة، وتُطبق بروح العدالة

أخر الأخبار