يوم النصر في روسيا: ذكرى خالدة وروح وطنية تتجدد عبر العقود

بقلم: الدكتور رشيد يحياوي
خريج جامعة الطب الأولى في موسكو

في كل عام، مع حلول التاسع من مايو، يعود بي الزمن إلى سنوات دراستي و إقامتي في موسكو. فبصفتي طالباً ثم خريجاً من جامعة الطب في موسكو، عشتُ احتفالات يوم النصر لعدة سنوات، ليس في روسيا وحدها بل في زمن الاتحاد السوفييتي أيضاً. رأيت كيف يتغير الاحتفال شكلاً، لكنه يبقى جوهراً: ذكرى لا تموت، وشعب يصونها كأقدس ما لديه.

هذا العام، تحل الذكرى الخامسة والثمانون للنصر العظيم، مناسبة تستوقف العالم وتستحضر ملحمة مضت لكنها لا تزال حية في الضمير الجمعي.

وفي كلمته بهذه المناسبة، هنّأ الرئيس فلاديمير بوتين الشعب الروسي، معتبراً أن يوم النصر هو عيد المجد والانتصار، وشعور بالفخر والاعتزاز بالوطن. وجّه تحية إجلال إلى “جيل المنتصرين” العظيم، مؤكداً أن الحفاظ على هذه الذكرى هو شرف ومأثرة للشعب الروسي.

وأشار الرئيس إلى أن هذا العيد هو عيد الشعور بالفخر بالأبطال الحقيقيين الذين دحروا النازية، وأنقذوا روسيا والعالم، وأنهوا الشر المطلق. ولفت إلى أن الجيش السوفييتي تكبد خسائر هائلة من أجل استقلال دول وشعوب أوروبا، وأعاد السيادة إلى الدول التي كانت قد استسلمت أو انهارت تحت وطأة الغزو النازي، في إشارة واضحة إلى أن الجيش الأحمر هو من تحمل العبء الأكبر في تحرير القارة العجوز.

كما استذكر الرئيس تاريخ 22 يونيو 1941، واصفاً إياه بأحد أكبر التواريخ مأساوية في تاريخ روسيا، حين هاجم الألمان بقصد إبادة الشعب. لكن الروح القوية للشعب الروسي انتصرت، وبفضل الولاء للوطن صمد الجنود وفدوا بأنفسهم، وتوحد الشعب وضحى وكان واثقاً بالنصر.

ودعا بوتين إلى الانحناء إجلالاً في هذه الذكرى لكل مكونات المجتمع، ولملايين الناس الذين صمدوا وجاهدوا وضحوا في الجبهات المتعددة، مؤكداً أن كل ذلك يعيش في قلوب الأطفال وفي كل فئات المجتمع.

شهادة شخصية من القلب

وأكتب في هذه الذكرى العظيمة، هذه الشهادة انطلاقاً من تجربة امتدت لسنوات:

فباعتباري عشت في موسكو خلال أيام البيرسترويكا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، فقد احتفلت مع الشعب الروسي بيوم النصر مرات عديدة. رأيت الأجواء في التسعينيات، حين كانت روسيا تمر بظروف اقتصادية وسياسية بالغة الصعوبة. لكن الشيء الذي لم يتغير أبداً هو المشاعر الجياشة في هذا اليوم. كنت أرى المحاربين القدامى يرتدون أوسمتهم، والعيون تدمع، والأغاني القديمة تملأ الشوارع، والناس يسيرون حاملين زهور القرنفل الأحمر إلى النصب التذكارية.

لم يكن الأمر مجرد احتفال رسمي، بل كان حالة وجدانية نادرة. فالشعب الذي عانى الفقد والخسارة، تعلم أن الحياة تستمر، لكن الذكرى تبقى نابضة بالحياة. تشبعت خلال سنوات إقامتي هناك بتلك الروح الوطنية العالية، وبشعور أن النصر لم يأت صدفة، بل كان نتيجة تكاتف أمة بأكملها قدمت الملايين من أبنائها فداء للوطن والعالم.
اليوم، وبعدما استعادت روسيا قوتها ومكانتها العالمية، بدت الاحتفالات مختلفة، لقد صارت أكثر تنظيماً، وأكثر فخامة، وأكثر حضوراً على الساحة الدولية. لكن الجوهر، كما شهدت بنفسي، لم يتبدل: إنه الوفاء لجيل صنع المجد، والفخر بهوية وطنية استثنائية، والإصرار على أن الذكرى ليست مجرد يوم يمر، بل عهد لا ينتهي.

وفي ظل محاولات بعض الأطراف اليوم تزوير التاريخ أو التقليل من دور الجيش الأحمر في تحرير أوروبا، تبدو رسالة التاسع من مايو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: الحقيقة لا تموت، والنصر الحقيقي يبقى شاهداً على بطولة لا تُنسى.

أخر الأخبار