بقلم ومنابعة د احمد الشوارف
احتضنت قاعة المحاضرات بكولف أسلي بمدينة وجدة، اليوم السبت 25 أبريل 2026، لقاءً أكاديمياً متميزاً خُصص لمناقشة موضوع “مشاركة الشباب في الحياة العامة وبناء السياسات”، في إطار مناظرة علمية جمعت طلبة ماستر العمل الاجتماعي وماستر الصحافة والإعلام الرقمي، موزعين على فريقين متناظرين، تحت تأطير الأستاذين الطيب بركان وهشام كزو
وجاء هذا اللقاء في سياق أكاديمي يروم تعميق التفكير في سبل تطوير السياسة التشاركية وتعزيز أسس الحكامة الجيدة، من خلال فتح نقاش علمي رصين حول موقع الشباب داخل الفضاء العمومي، ومدى قدرتهم على الانتقال من موقع المتلقي للسياسات إلى موقع الفاعل المساهم في صياغتها وتوجيهها.
وشكّلت المناظرة مناسبة لإثارة أسئلة جوهرية تتعلق بأدوار الشباب في التحولات الاجتماعية والسياسية الراهنة، حيث أكدت مداخلات الفريق المؤيد أن المشاركة الشبابية لم تعد خياراً رمزياً، بل أضحت ضرورة تفرضها دينامية المجتمع، خاصة في ظل تنامي أدوار الفاعلين الجدد واتساع فضاءات التعبير، لاسيما الرقمية منها. واعتبر الطلبة أن الشباب يمثل رصيداً ديمغرافياً ومعرفياً قادراً على الإسهام في بلورة سياسات عمومية أكثر استجابة لانتظارات المجتمع المغربي.
واستند هذا الطرح إلى جملة من الحجج، أبرزها أن إشراك الشباب في صناعة القرار من شأنه تعزيز الحكامة التشاركية، وترسيخ قيم المواطنة، وتقوية الثقة في المؤسسات، فضلاً عن إنتاج سياسات عمومية أكثر قرباً من الواقع، خصوصاً في مجالات حيوية كالتعليم والتشغيل والتنمية المحلية.
وفي تأطيرهم النظري، استحضر المتدخلون عدداً من المرجعيات الفكرية، من بينها تصورات الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حول “الفضاء العمومي” باعتباره مجالاً للنقاش العقلاني وصناعة الرأي العام، حيث يشكل حضور الشباب فيه رافعة أساسية لتجديد الممارسة الديمقراطية. كما تم الاستئناس بمقاربة شيري أرنستاين عبر “سلم المشاركة”، الذي يميز بين المشاركة الشكلية وتلك الفعلية المؤثرة في صناعة القرار.
في المقابل، قدّم الفريق المعارض قراءة نقدية لهذا الطرح، معتبراً أن الحديث عن المشاركة الشبابية يصطدم في كثير من الأحيان بواقع محدودية التأثير، نتيجة ضعف قنوات الإدماج، وهشاشة الوساطة المؤسساتية، واستمرار بعض أشكال المشاركة الرمزية التي لا ترقى إلى مستوى التأثير الحقيقي في السياسات العمومية.
وأكدت هذه المداخلات أن المشاركة لا تُقاس فقط بحضور الشباب في اللقاءات والمنتديات، بل بمدى قدرتهم على التأثير في مختلف مراحل السياسات العمومية، من التشخيص إلى الاقتراح فالتتبع والتقييم، وهو ما يظل، بحسب عدد من المتدخلين، تحدياً قائماً يستدعي إصلاحات عميقة.
وسلّط النقاش الضوء أيضاً على الدور المتنامي للإعلام الرقمي في إعادة تشكيل أنماط المشاركة الشبابية، من خلال إتاحة فضاءات جديدة للتعبير والترافع والتأثير، بما يجعل المنصات الرقمية امتداداً للمجال العمومي، وأداة فعالة لمواكبة السياسات العمومية ونقدها واقتراح بدائل بشأنها.
وفي ختام المناظرة، خلص المشاركون إلى أن تطوير السياسة التشاركية يمر أساساً عبر تقوية آليات إشراك الشباب، وتوسيع فضاءات الحوار، وربط المشاركة بالفعل المؤسساتي المنتج، بما يرسخ نموذجاً للحكامة قائمًا على الإنصات والتشاور وتقاسم المسؤولية.
وقد شكّلت هذه المبادرة الأكاديمية نموذجاً لحوار جامعي نوعي، يزاوج بين التأطير العلمي والتدريب على ثقافة المناظرة، ويؤكد دور الجامعة كفضاء حيوي لإنتاج الأفكار وتغذية النقاش العمومي حول قضايا الشباب والسياسات العامة.