لم يكن افتتاح الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للبلوزة مجرد موعد ثقافي عابر، بل كان لحظة استثنائية استعادت فيها مدينة وجدة عبق ماضيها، واحتفت فيها بذاكرة نسائها، في مشهد احتفالي أعاد للشوارع روحها وألقها.
فمساء يوم الجمعة 6 نونبر 2026، تحولت شوارع المدينة إلى لوحة فنية نابضة بالحياة، حين خرجت نساء يرتدين الحايك والبلوزة الوجدية، في مسيرة تراثية حملت اسم «حمّامات الشرق»، فأسرن الأنظار، وأعدن إلى الأذهان صورا من الذاكرة الاجتماعية للمرأة الشرقية، وما تحمله من أناقة وهوية وانتماء.
وتُنظم هذه الدورة من طرف الجمعية الشرقية للتنمية، خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 8 نونبر الجاري، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتحت شعار: «البلوزة خيط يجمع بين جهات المملكة».
ويتزامن هذا الموعد الثقافي مع احتفالات الشعب المغربي بالذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، وهو ما يمنحه بعدا رمزيا خاصا، يجعل من التراث جسرا للوحدة الوطنية، ومن البلوزة خيطا يربط بين مختلف جهات المملكة.
وقد ترأس حفل الافتتاح والي جهة الشرق، عامل عمالة وجدة أنجاد، امحمد عطفاوي، بحضور عدد من المنتخبين والمسؤولين والفاعلين الثقافيين، إلى جانب مهنيين وحرفيين في مجال الصناعة التقليدية.
وشكل المعرض المقام بحديقة للا مريم إحدى أبرز محطات الافتتاح، حيث أتاح للزوار فرصة الاطلاع على نماذج متنوعة من البلوزة الوجدية، وأدوات اشتغال النسيج التقليدي، إضافة إلى تحف تراثية قديمة عرضتها جمعية التحف والأنتيكات بجهة الشرق.
كما ضم المعرض أزياء تقليدية تعكس غنى وتنوع الموروث الثقافي لمختلف أقاليم جهة الشرق، في عرض يجمع بين الأصالة والتنوع، ويبرز خصوصية كل منطقة داخل وحدة الهوية الجهوية.
و كانت المسيرة النسوية «حمّامات الشرق» أبرز لحظات الافتتاح وأكثرها استحضارا للذاكرة الجماعية. فقد انطلقت من متحف للا مريم في اتجاه باب الغربي، بمشاركة نساء تألقن بارتداء الحايك والبلوزة الوجدية، في مشهد احتفالي مزج بين جمال الأزياء التقليدية والإيقاعات الفلكلورية التي أبدعتها مجموعة العرفة وفرقة أحيدوس النسائية.
ولم تكن هذه المسيرة مجرد استعراض للأزياء، بل كانت احتفاء بمكانة المرأة في صيانة الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمنطقة، واستحضارا لتقاليد ظلت حاضرة في تفاصيل الحياة الوجدية، بما تحمله من رموز للأناقة والهوية والانتماء.
فالمرأة الشرقية كانت ولا تزال حاملة هذا الموروث، وحافظة أسراره، وناقلة حكاياته من جيل إلى جيل.
وفي السياق ذاته، احتضنت قاعة دار السبتي حفلا فنيا استعاد أجواء الأعراس الوجدية الأصيلة، من خلال إحياء طقوس الاحتفال التقليدي، بما فيها الزغاريد وإيقاعات «الطبالات»، بقيادة رئيسة المجموعة فتيحة بنانة.
وقد أعاد هذا العرض الجمهور إلى أجواء اجتماعية ارتبطت تاريخيا بالبلوزة والحايك، وبمظاهر الاحتفال النسوي بالمدينة، في لحظة وجدانية امتزج فيها الفن بالذاكرة.
و يراهن المهرجان على تثمين البلوزة الوجدية باعتبارها أحد أبرز التعبيرات المادية عن الهوية الثقافية للمنطقة، والعمل على نقل رموزها ودلالاتها إلى الأجيال الصاعدة، والارتقاء بها من لباس تقليدي ذي جذور محلية إلى مكون من مكونات التراث المغربي القادر على تحقيق إشعاع وطني ودولي.
كما تسعى هذه التظاهرة إلى تشجيع التبادل الثقافي والفني بين المصممين والمبدعين المغاربة، وإبراز مهارات الصناع التقليديين، بما يساهم في صون هذا الموروث وحمايته من الاندثار، وفتح آفاق جديدة أمام تطويره عبر التوفيق بين أصالته ومتطلبات التجديد والابتكار.
ويتضمن برنامج الدورة التاسعة مسابقة جهوية لاختيار أفضل تصميم للبلوزة، ومعرضا للتراث والمهن والصناعة التقليدية، فضلا عن ندوة فكرية وثقافية تناقش موضوع: «البلوزة خيط يجمع جهات المملكة.. التراث والهوية في خدمة الوحدة الوطنية».
ومن المرتقب أن تختتم فعاليات المهرجان، مساء يوم الأحد 8 نونبر، بسهرة فنية كبرى تتخللها فقرات موسيقية متنوعة، وعروض للأزياء التقليدية وأحدث تصاميم البلوزة الوجدية، إلى جانب تكريم عدد من الصناع التقليديين ونساء التراث والفعاليات المهتمة بهذا المجال، تقديرا لإسهاماتهم في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي وتثمينه.
وهكذا، تؤكد مدينة وجدة من خلال هذا الموعد الثقافي أن البلوزة ليست مجرد قطعة من اللباس التقليدي، بل هي ذاكرة نسائية تختزل حكايات أجيال، وتعكس هوية مدينة تشبثت بأصالتها، وجعلت من تراثها جسرا للتواصل بين الماضي والحاضر، وبين الخصوصية المحلية والامتداد الوطني.





