نافذة المغرب على الشمال: قراءة هادئة في زيارة المنصوري إلى موسكو

بقلم: رشيد يحياوي، باحث متخصص في العلاقات الروسية-الإفريقية


هناك مدن تعرف كيف تستقبل الضيوف. موسكو، في أواخر أكتوبر، ليست واحدة منها بالمعنى الساحر للكلمة. سماؤها الثقيلة، وأرصفتها المبللة بأوراق الخريف، لا توحي بأنها مكان للاحتفالات الكبرى. لكن حين يستقبل الكرملين ثمانية وأربعين وفداً إفريقياً، بينهم رؤساء دول وحكومات، فإن الرسالة لا تحتاج إلى شمس مشرقة لتصل.

في ذلك المشهد، كان هناك وفد مغربي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، ممثلةً للملك محمد السادس. قد يتوقف المرء عند البروتوكول: من جلس أين، ومن تحدث أولاً. لكن الأهم يقع تحت السطح: المغرب يبحث عن شريك إضافي، وروسيا تبحث عن موطئ قدم في قارة يتسابق عليها الجميع. والسؤال الذي يستحق القراءة الهادئة: هل تلتقي الحاجتان؟

أولاً: ماذا دار في القمة؟

التجارة. تجاوز التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا 27 مليار دولار في 2025، بنمو 50% عن القمة السابقة، والهدف المعلن بلوغ 50 ملياراً. لكن الأهم من الرقم هو الأداة: 85% من المعاملات تُسوَّى بالروبل، في محاولة واضحة لتحصين التبادل من العقوبات الغربية.

الغذاء والأسمدة. صدّرت روسيا 18 مليون طن حبوب إلى إفريقيا في 2025، و13 مليوناً إضافية في الأشهر التسعة الأولى من 2026. أما الأسمدة، فارتفعت من 1.5 مليون طن إلى 2.2 مليون طن هذا العام. موسكو تقول إنها مستعدة لمشاركة التكنولوجيا الزراعية، لا فقط بيع المنتج.

نقل المصانع. الطرح الأكثر جرأة: بوتين اقترح علناً نقل بعض المنشآت الصناعية الروسية إلى إفريقيا، في ظل الضغوط الغربية. وقال إن القارة يجب أن تتحول إلى “سوق إنتاج وبيع، لا سوق استهلاك فقط”.

الحضور الدبلوماسي. منذ قمة 2023، فتحت روسيا ثماني سفارات جديدة في إفريقيا، ليصل العدد إلى 48. وبوتين أعلن دعمه لخطط بوتسوانا وسيشل وتوغو لفتح سفارات في موسكو. الدبلوماسية تسبق التجارة، كما يقال.

ثانياً: المغرب وروسيا.. شراكة لا تُقاس بالأرقام وحدها

المنصوري قالتها بوضوح في موسكو: المغرب بات ضمن أكبر ثلاثة شركاء اقتصادييم لروسيا في إفريقيا، بحجم تبادل بلغ 630 مليون دولار في 2025، وارتفاع الصادرات المغربية بنسبة 18%. هذه أرقام متواضعة أمام مليارات الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تحكي القصة كاملة.

القصة بدأت في 2002، حين وقع الملك محمد السادس وبوتين إعلان الشراكة الاستراتيجية. وفي 2016، خلال زيارة ثانية لموسكو، ارتقت إلى “شراكة استراتيجية معمقة”. السفير الروسي في الرباط، فلاديمير بايباكوف، وصفها في مارس الماضي بأنها “تطورت بثبات ونجاح على مر السنين”، مضيفاً أن المغرب يظل من الشركاء التجاريين الرئيسيين لموسكو في القارة.

لكن ما يمنح العلاقة ثقلها الحقيقي ليس التجارة وحدها. في سبتمبر 2026، عُقد في موسكو أول اجتماع للجنة عمل مشتركة بين وزارتي الخارجية، برئاسة نائب الوزير بوريسينكو والمدير العام يازوغ. وفي أكتوبر من العام نفسه، وُقع اتفاق جديد للصيد البحري، وبدأت سفينة الأبحاث الروسية “أتلانتيدا” مهمة تقييم للموارد في المياه المغربية. روسيا تريد رفع حصتها من 54 ألف طن إلى 100 ألف، لكن القرار معلق بنتائج التقييم العلمي المشترك. هذا ليس صيداً عابراً؛ إنه استثمار في علاقة تُدار ببطء وحرص.

وهناك بُعد إنساني لا يظهر في البيانات الصحفية: أكثر من سبعة آلاف طالب مغربي درسوا في روسيا خلال الموسم الجامعي 2024-2025. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام. بينهم أطباء ومهندسون وصيادلة سيعودون إلى المغرب حاملين ليس فقط شهادات، بل لغة وذاكرة عن بلد لم يروه من قبل.

ثالثاً: لماذا تهتم روسيا بإفريقيا؟ السؤال الذي لا يُطرح في العلن

الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي، بصفته رئيس الاتحاد الإفريقي، قال جملة في القمة تستحق التوقف عندها: “روسيا أصبحت صديقاً لكل الفصول: في الثلوج والأمطار، تبقى معنا، كتفاً بكتف”. هذه ليست دبلوماسية بروتوكولية. إنها اعتراف بأن موسكو، تحت الضغط الغربي، وجدت في إفريقيا ما لم تجده في أوروبا: أبواباً مفتوحة بلا شروط سياسية معلنة.

بوتين ردّ بالمنطق نفسه: “أفريقيا يجب أن تكون سوق إنتاج، لا سوق استهلاك”. ووعد بأن الشركات الروسية “لا تستنزف الأرباح بأسلوب الممارسات الاستعمارية للدول القديمة”. قد يرى البعض في هذا الكلام دعاية، لكن وراءه حسابات عملية: العقوبات دفعت موسكو للبحث عن أسواق بديلة، وإفريقيا بسكانها الشباب ومواردها تمثل متنفساً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.

والأرقام تدعم هذا التوجه. صادرات الأسمدة ارتفعت بنسبة تقارب 50% في عام واحد. والتعاون العسكري التقني يشمل 45 دولة إفريقية. وروسيا تدعم علناً تمثيلاً أوسع لإفريقيا في مجلس الأمن، وهي ورقة سياسية تُلعب بذكاء في الأمم المتحدة.

في الختام ، زيارة المنصوري الى موسكو مهمة جدا لكن هناك أسئلة مفتوحة: هل سيوافق التقييم العلمي على رفع الحصة الروسية في الصيد؟ هل ستخرج اتفاقية الاستثمار من drawers الانتظار؟ هل ستُترجم “الشراكة المعمقة” إلى مشاريع يمكن أن يراها الفلاح في سهل سايس، لا فقط الدبلوماسي في قاعات الكرملين؟

ما حدث في موسكو لم يكن نهاية قصة، بل فصلاً جديداً في علاقة تتعلم المشي على حبل دقيق. المغرب يريد تنويع شركائه دون أن يحرق جسوراً مع الغرب. وروسيا تريد موطئ قدم في شمال إفريقيا دون أن تُتهم بإعادة إنتاج منطق المستعمر القديم. وبين هذين الهدفين، تقف أشياء صغيرة لكنها حقيقية: طالب مغربي في موسكو يحلم بشهادة، وصياد في الداخلة ينتظر معرفة ما إذا كانت المياه ستزدحم بسفن قادمة من الشمال.

هذه هي العلاقات الدولية حين تُجرَّد من البلاغات الرسمية: ليست معارك كبرى فقط، بل تفاصيل صغيرة تُقرر من سيأكل، ومن سيعمل، ومن سيبقى واقفاً حين تتغير الرياح.

أخر الأخبار