في ضوء التوجيهات الملكية الواردة في الخطاب بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية 2026، تبرز الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها إحدى الآليات الاستراتيجية الكفيلة بتسريع وتيرة التنمية، وتحويل المشاريع المبرمجة إلى منجزات ملموسة تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين، وتعزز السيادة الاقتصادية للمملكة.
وفي هذا السياق، تؤكد فيدرالية القطاع الخاص للشراكة بين القطاعين العام والخاص بالمغرب أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من منطق تدبير المشاريع وفق مقاربة تقليدية إلى اعتماد رؤية استراتيجية متكاملة، تجعل من الاستثمار المنتج، والنجاعة في التنفيذ، والعدالة المجالية، وتوفير فرص الشغل، ركائز أساسية للنموذج التنموي الوطني.
من منطق المشاريع إلى منطق النتائج
أكد الخطاب الملكي أهمية الانتقال إلى مرحلة جديدة قوامها تحقيق نتائج ملموسة، مشدداً على أن نجاح السياسات العمومية لا تقاس بعدد المشاريع المعلنة أو حجم الاستثمارات المرصودة فحسب، بل بمدى تأثيرها الفعلي في تحسين ظروف عيش المواطنين والاستجابة لانتظاراتهم.
ويطرح هذا التوجه تحدياً حقيقياً أمام مختلف الفاعلين، سواء في القطاع العام أو الخاص، يتمثل في ضرورة تجاوز التعثرات التي قد تحول دون استكمال المشاريع في آجالها المحددة، واعتماد آليات أكثر فعالية في التخطيط والتنفيذ والتقييم.
ومن هذا المنطلق، تكتسي الشراكة بين القطاعين العام والخاص أهمية متزايدة، باعتبارها إطاراً لتعبئة التمويلات والخبرات والتكنولوجيات، وتحقيق التكامل بين الإمكانات العمومية والقدرات الاستثمارية للمقاولات.
السيادة الاقتصادية رهينة برؤية استثمارية متكاملة
إن تعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة يقتضي المزيد من تفعيل خطة النموذج التنموي للاستجابة للحاجيات الوطنية، وتقوية القدرات الإنتاجية، وتحسين تنافسية الاقتصاد، وتطوير البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وفي هذا الإطار، لم تعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص مجرد آلية تقنية لتمويل المشاريع، بل أصبحت خياراً استراتيجياً يمكن أن يسهم في تسريع إنجاز الأوراش الكبرى، شريطة أن تقوم على حكامة جيدة، وتوزيع واضح للمسؤوليات والمخاطر، وربط الالتزامات التعاقدية بالنتائج المحققة.
وتبرز أهمية هذه المقاربة بشكل خاص في قطاعات حيوية، من قبيل الماء والطاقة والصحة والتعليم والرقمنة، حيث تتطلب المشاريع تعبئة موارد مالية مهمة، إلى جانب توفير الخبرات التقنية والقدرات التدبيرية اللازمة لضمان استدامتها وفعاليتها.
الجهوية واللاتمركز.. مدخل لتحقيق العدالة المجالية
ومن بين الأوراش ذات الطابع الاستعجالي، يبرز ورش الجهوية المتقدمة واللاتمركز ، باعتبارهما مدخلاً أساسياً لتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة.
ويظل نجاح هذا الورش رهيناً بتمكين المصالح اللاممركزة والمؤسسات الجهوية من الصلاحيات والموارد المالية والبشرية الضرورية، بما يسمح لها بالتفاعل السريع مع حاجيات المجالات الترابية، وتجاوز التعقيدات الإدارية التي قد تعرقل تنفيذ المشاريع.
وفي هذا السياق، ترى فيدرالية القطاع الخاص للشراكة بين القطاعين العام والخاص بالمغرب أن تفعيل آليات الشراكة على المستوى الجهوي يمكن أن يشكل رافعة لتعبئة الاستثمارات، وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، وتحويل المؤهلات المحلية إلى مشاريع اقتصادية ذات أثر مستدام.
الشباب وإستعادة الثقة في المؤسسات
ويحتل الشباب مكانة محورية ضمن التحديات التنموية المطروحة بالنظر إلى أهمية إدماجه في الدورة الاقتصادية، وتوفير فرص حقيقية أمامه للمشاركة في الإنتاج والاستثمار والابتكار.
ولا يقتصر الرهان على إحداث مناصب الشغل فحسب، بل يشمل أيضاً تحسين جودة التعليم والتكوين، وتعزيز ملاءمة الكفاءات مع حاجيات سوق العمل، وتوسيع فرص المبادرة المقاولاتية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص.
ومن شأن إطلاق مشاريع استثمارية منتجة في مختلف جهات المملكة أن يسهم في خلق فرص الشغل، والحد من الهجرة الداخلية للشباب، وتعزيز ارتباطهم بمجالاتهم الأصلية، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي والتوازن المجالي.
أنا مغربي و اعتز بمغربيتي
لطالما عمل جلالته على ترسيخ نموذج الانسان المغربي المبني على روح المواطنة والمبادرة و الغيرة على البلاد.
إن الانخراط في مسار التنمية الوطنية يتجسد في الالتزام العملي بخدمة الصالح العام، واحترام المؤسسات، وصون المكتسبات والمساهمة في بناء اقتصاد قوي ومجتمع متماسك.
من منطق الصفقات العمومية إلى منطق الشراكات الاستراتيجية
ترى فيدرالية القطاع الخاص للشراكة بين القطاعين العام والخاص بالمغرب أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة النظر في كيفية تدبير المشاريع الاستثمارية الكبرى، من خلال الانتقال من مقاربة ترتكز أساساً على الصفقات العمومية إلى نموذج يقوم على الشراكات الاستراتيجية طويلة الأمد، التي تحدد وضوح الأهداف والالتزامات ومؤشرات الأداء.
فالشراكة بين القطاعين العام والخاص لا ينبغي أن تُختزل في توفير التمويل أو تفويض تنفيذ بعض الخدمات، بل يتعين أن تقوم على رؤية متكاملة تضمن المصلحة العامة، وتحسن جودة الخدمات، وتعزز كفاءة الإنفاق في سبيل تحقيق اقتصاد مندمج.
الجهة الشرقية.. مؤهلات واعدة تحتاج إلى استثمارات نوعية
وفي سياق تنزيل هذه الرؤية على المستوى الجهوي، تبرز الجهة الشرقية باعتبارها مجالاً ترابياً يتوفر على مؤهلات اقتصادية ومجالية يمكن استثمارها في إطلاق مشاريع نوعية قادرة على تحريك عجلة التنمية وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
وتؤكد الفيدرالية أنها تولي أهمية خاصة لتطوير آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالجهة الشرقية، من خلال المساهمة في إعداد التصورات والدراسات والعمل على نقل التجارب الناجحة في مجال الشراكات، بما يتيح الاستفادة من النماذج التي أثبتت فعاليتها في تدبير المشاريع الكبرى.
كما تبرز أهمية بلورة مبادرات عملية لتشجيع الاستثمار الخاص في إطار الشراكة مع القطاع العام، بما يساعد على تعبئة تمويلات إضافية لإنجاز مشاريع البنيات التحتية والخدمات الأساسية، ويدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالجهة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى مشاريع استثمارية قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين جاذبية المجال الترابي وتثمين الموارد المحلية، والحد من الهجرة الداخلية للشباب نحو المدن والمناطق الأكثر استقطاباً للاستثمارات.
ومن شأن اعتماد مقاربة تشاركية تجمع المؤسسات العمومية والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين أن يسهم في تحديد الأولويات التنموية للجهة الشرقية، وإعداد مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل، تستجيب لحاجيات الساكنة وتنسجم مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة.
نحو نموذج جديد للشراكة والاستثمار
إن الرسالة الأساسية التي تطرحها المرحلة الراهنة تتمثل في ضرورة خلق توازن استثماري مبني على دراسات كفيلة بخلق التوازن بين مختلف مكونات الجهة الشرقية على اساس التنويع، الذكاء و التكامل بين اقطاب الجهة.
ان قطاع الشراكة العام الخاص كفيل بتحقيق هاته الرؤية، عن طريق المبادرة و المساهمة الفعالة من اجل تنزيل المشاريع الكبرى و تمويلها و تحقيق الأهداف المرجوة و مواكبة الجهة الشرقية لترسيخ نموذج اقتصادي و خدماتي يضمن الإستدامة و الجودة.
عيسى مالكي رئيس فدرالية الشراكة القطاع العام والخاص