بقلم الدكتور رشيد يحياوي
وأنا أشارك رفقة ابني محمد رضا في مسيرات الشعب، سألني عن زملائي الصيادلة: أين هم؟
أجبته دون تردد: يا بني، هذا السؤال يؤرقني منذ زمن طويل. و مثلي مثلك أتساءل بحسرة : أين نحن، صيادلة المغرب، من هذه الروح؟ ولماذا تبقى تمثيلياتنا غائبة، ومطالبنا معزولة عن هموم المواطنين؟

مرة أخرى، يحل علينا أول مايو، يوم العمال العالمي، ذلك الموعد الذي تتعالى فيه أصوات المطالب العادلة، وتتقاسم فيه الجماهير المغربية أحزانها وآمالها. وأنا، إذ أشارك في هذه المظاهرات منذ سنوات، امتدادًا لإرثي النضالي في مجال حقوق الإنسان، ونتيجة عملي الميداني مع الطبقات المجتمعية الهشة، وأمام ابني الذي يكبر على هذه الأسئلة، أشعر بثقل الغياب أكثر من أي وقت مضى.
والعجيب أن الصيادلة يغلقون صيدلياتهم أحيانًا بتعليمات من تمثيلياتهم المهنية، في إضرابات قطاعية محصورة. فلماذا لا يشاركون في مسيرات عيد الشغل؟ وأين يذهبون في هذا اليوم، يوم العمال بامتياز؟ هذا التناقض يكشف أزمة هوية حقيقية: الصيادلة، في أذهان الكثيرين، ليسوا عمالًا وليسوا “باطرونا” (أصحاب عمل). فهم معلقون بين فئتين، لا يجدون مكانهم في أي منهما، فيعيشون عزلة نضالية غريبة.
التجربة التي عشتها مع الفئات الأكثر هشاشة، والقياسات الميدانية التي أجريتها، كلها تقود إلى نتيجة واحدة: لا يمكن فصل قضية الصيدلي عن قضية المريض، ولا هموم المهنة عن هموم المجتمع. فالصيدلي المغربي، سواء كان مستقلاً أو أجيرًا، يعاني من غلاء الدواء، ومن تعقيدات المساطر الإدارية، ومن سياسات جبائية مرهقة، ومن تردٍ متزايد في النظام الصحي العمومي. لكن للأسف، لا يزال الكثيرون داخل الوسط الصيدلي ينظرون إلى التنسيق مع المركزيات النقابية المغربية (كالاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وغيرها) باعتباره “مساسًا بمكانتهم” أو “خروجًا عن الإطار المهني”.
هذه المفاهيم قديمة ومتجاوزة، وهي عائق حقيقي أمام بناء نضال مشترك. فالبعض لا يزال يردد أن الصيدلي “باطرون”، وبالتالي فهو في خندق مضاد للعمال. وهذا فهم خاطئ. فالصيدلي المغربي، في غالبيته، هو عامل قبل كل شيء: عامل على صحته النفسية والجسدية، عامل تحت ضغط الموردين والبنوك والإدارة، وأحيانًا أجير لدى شركات أو صيدليات كبرى يعاني من التشغيل الهش. لكن الجانب الأغرب أن الصيدلي نفسه لم يعتد بعد على رؤية ذاته كعامل، ولا المجتمع يعترف له بذلك، فيبقى في منطقة رمادية لا هو مع هذا ولا مع ذاك.
لذلك، أدعو زملائي الصيادلة إلى تجاوز هذه النظرة الأحادية، وإلى الانفتاح الجاد على المركزيات النقابية الوطنية. فما يطلبه عمال الصحة، عمال الصناعة، عمال التعليم، هو نفسه ما نطالب به: عدالة اجتماعية، حماية من الغلاء، خدمات عمومية ذات جودة، كرامة المعيش. تجربتي مع الفئات الهشة علمتني أن التضامن الطبقي والوطني هو السبيل الوحيد لكسر العزلة.
فلنترك عادة الإغلاقات المنعزلة التي لا يراها أحد، ولننزل إلى الشارع في أول مايو مع عمال هذا الوطن. فلنكن جزءًا من الحركة، لا مجرد نافذة صيدلية مغلقة. ولنقل لأبنائنا بكل فخر: نحن هنا، في قلب المعركة، ولسنا غائبين.
واعتبارًا من اليوم، أعلن رسميًا انضمامي إلى حركة العمال المغاربة دون استقلالية عن همومهم، وأدعو كل صيدلي يشعر بالإحباط أو التهميش إلى فعل المثل. ليس عيبًا أن نرفع الشعار نفسه، وأن نمشي في المسيرة نفسها. العيب أن نبقى أسرى مفاهيم بالية، وأحلام فئوية لا تصمد أمام أزمة متعددة الأبعاد.
تحيا وحدة نضالات الشعب المغربي، تحيا الكرامة والصحة للجميع.