احتضنت قاعة الندوات بكلية الطب والصيدلة التابعة لـجامعة محمد الأول بوجدة، يومي 27 و28 أبريل 2026، حدثاً علمياً بارزاً تمثل في تنظيم المؤتمر الدولي الأول حول “السوسيولوجيا الرقمية”، في مبادرة أكاديمية تعكس وعياً متزايداً بأهمية فهم التحولات العميقة التي أحدثها العالم الرقمي في بنية المجتمع.

وشكل هذا اللقاء فضاءً فكرياً مفتوحاً جمع نخبة من الأساتذة الباحثين والخبراء والمتخصصين، إلى جانب فاعلين من المجتمع المدني وممثلين عن مؤسسات وطنية ودولية، في نقاش متعدد الزوايا حول التحولات الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تفرضها الرقمنة.

ويأتي تنظيم هذا المؤتمر في سياق يتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة التحول الرقمي، تماشياً مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة، وعلى رأسها مشروع “المغرب الرقمي 2030”، الذي يطمح إلى ترسيخ موقع المغرب كقطب رقمي إقليمي قادر على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وقد أشرف على تنسيق هذا الحدث العلمي الأستاذ الباحث عبد الحق البكوري، الذي أكد في كلمته الافتتاحية أن الرهان اليوم لم يعد تقنياً فقط، بل سوسيولوجياً بالدرجة الأولى، مشدداً على ضرورة تطوير أدوات البحث العلمي بما يمكن من استيعاب التحولات المتسارعة التي يعيشها المجتمع الرقمي.

برنامج المؤتمر كان غنياً ومتنوعاً، حيث تضمن جلسة افتتاحية أعقبتها مداخلات تأطيرية وجلسات علمية ناقشت أوراقاً بحثية لامست قضايا راهنة، من قبيل الهوية الرقمية، وتحولات السلوك الاجتماعي، وتأثير التكنولوجيا على الصحة النفسية والتربية، فضلاً عن دورة تكوينية خصصت لمناهج البحث العلمي في العلوم الاجتماعية في ظل الرقمنة.
ولم تقتصر النقاشات على الجانب النظري، بل امتدت لتشمل تقييم السياسات العمومية المرتبطة بالتحول الرقمي، وطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرتها على بناء مجتمع رقمي دامج، يحد من الفوارق المجالية ويضمن تكافؤ الفرص. كما تم التأكيد على الدور المحوري الذي تضطلع به الجامعة والمجتمع المدني في مواكبة هذه التحولات.

وفي بعده الترابي، سلط المؤتمر الضوء على واقع جهة الشرق، حيث تم إبراز إسهامات الجامعة في إنتاج المعرفة العلمية المرتبطة بالاندماج الرقمي، مع طرح مقترحات عملية لمواجهة تحديات الفجوة الرقمية وتعزيز العدالة المجالية.
وعلى المستوى العلمي، شدد المشاركون على ضرورة تجديد مناهج البحث السوسيولوجي، بما يواكب التحولات التي مست مفاهيم الهوية والانتماء، مع التوقف عند التأثيرات النفسية والتربوية للتكنولوجيا، خاصة داخل منظومة التعليم العالي، إضافة إلى استشراف آفاق ريادة الأعمال الرقمية لدى الشباب المغربي.
كما أسفر المؤتمر عن حزمة من التوصيات الموجهة لصناع القرار، همّت أساساً تطوير التحول الرقمي داخل الجامعة المغربية، وتشجيع البحث متعدد التخصصات، وتعزيز التعاون الدولي بين الباحثين، انسجاماً مع توجهات المركز الوطني للبحث العلمي والتقني.
واختُتمت أشغال هذا الحدث العلمي بإشادة واسعة بمستوى النقاشات والمداخلات، مع تأكيد جماعي على أن مثل هذه المبادرات لم تعد ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة ملحة لفهم مجتمع يتغير بسرعة، ولجعل الرقمنة رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد خيار تقني عابر.