بعد الوقفة الاحتجاجية التاريخية الناجحة التي قام بها الصيادلة أمام مجلس المنافسة، يبرح السؤالُ نفسُه على كل مسؤول منخرط في هذه الضجة: أتحريرٌ نريده، أم تجرير للأخطاء نفسها التي فشلت في دول أخرى، وتكرير للاحتقانات التي لا شأن لها بالإصلاحات الحقيقية؟
المفارقة التي يصعب على المختصين تجاوزها، أن المشاريع المطروحة لا تمس جوهر الأزمة.
فمن يحرر من؟ الجواب، بالطبع، ليس في دفاتر الشروط ولا في تصورات الخبراء الأجانب. الجواب عند الذين يعملون كل يوم في صميم الواقع، رغم معاناتهم يقدمون العون لمجتمع يمسّهم في حاجاته العميقة، وليس في أوهام التمويل والتركيز الرأسمالي.
لقد كان من الأولى بالمسؤولين المغاربة والسلطات العمومية أن تهمَّ بإصلاح قطاع الصيدلة من جذوره، وأن تعيد الاعتبار للمواطنين والصيادلة على حد سواء. لقد طلب مجلس المنافسة فتح نقاش حول المنظومة الصيدلية و نتعجب كيف لم يلتفت إلى النقاشات المراطونية التي فتحناها و أغلقتموها بتجاهلكم إياها و عدم اكتراثكم لشرعيتها . نحن نعيش منذ سنين عديدة في مخاض نقاشات عقيمة لا تلقى آذانا صاغية . هل لا زالت الغشاوة تطلي عيون المسؤولين على هذا القطاع. المطلوب هو النقاش الذي طال انتظاره حول ما يسمى ” الملف المطلبي” الذي طرحه الصيادلة للوزارة.
وبدل الرهان على فتح رأسمال المؤسسات الصيدلية – وهو نموذج ثبت فشله في بلدان سبقتنا إليه – كان الأجدر أن يُبادر إلى تحرير أثمان الأدوية المنقذة للحياة، التي ما زالت مرتفعة إلى درجة تهدد حياة المحتاجين إليها. ثم بما أن السياسات الناجحة هي التي تحل المشاكل من جذورها و في إطارها العام، كان من الأحسن التفكير في تحرير قطاعات أخرى!!
أما أن يبقى “المخططون ” أسرى سياسات مستوردة لا تخدم الوطن، ونيكرّرون نفس المشاريع التي تحولت في غير مكان إلى كوارث صحية واقتصادية و اجتماعية، فذلك ما لا يمكن السكوت عليه.
من هنا كان النداء عاليا، مشروعا، علميا: حرروا أنفسكم من هذه السياسات، وحرروا الحدود، وابذلوا المستطاع كي يتنفس الناس!
ما بالُكم لا تسمعون صرخة الصيادلة و خصوصا صيدلي الشرق المغربي الذي يختنق؟ حدود جارة مغلقة، أسعار متفلتة، ومسؤولون غير مسؤولين، غير واقعيين. الواقع يقول لكم: لا بد من حلول عملية، لا من تجارب معاد تدويرها. المطلوب اليوم ليس “تحرير” رأسمال الصيدليات، بل تحرير العقول والنوايا من سطوة النماذج الفاشلة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يُدفع الثمن – مرة أخرى – من جيوب المواطنين ومن صحتهم.
بقلم: رشيد يحياوي
دكتور في الصيدلة، متخصص في قضايا الصحة و البيئة.